اكتُب لتُسعِدَ شخصًا واحدًا فقط !

إنَّ المترجِم ناقلٌ للأفكار، وناقلُ الأفكار ليس إلا مُفكِّرًا. كما أنَّ الترجمة عمل تأمليٌّ. يمكن أن تلاحِظ هذه السمة بسهولة. انظر إلى تلك الشخصية المتأملة التي تؤدي طقسًا أقربَ ما يكون من طقوس اليوغا! أخطأتُ في تقليد تجربة أحمد أمين، فدفعتُ الثَّمَن! يَحكي هذا الرائدُ الفذُّ في الفكر والثقافة العربية في كتابه “حياتي” عن…

بواسطة بندر الحربي: قد يكون أحدهم سعيدًا الآن، ربما نجحت! — تكوين

Advertisements

الضجيج : تاريخ إنسانيٌّ للصوت والإصغاء 


المؤلف ديفد هندي

“في هذا الكتاب تتبّعٌ طويل، وتأمّلٌ عميق لدور الصوتِ الاجتماعيّ، واقتفاءٌ لأثره الإنسانيّ؛ فالأصوات مليئة بالمعاني الاجتماعية، ومُفعَمة بالمشاعر الإنسانية، أعطت أسلافَنا، ومازالت تعطينا، إحساساً بالمكان والزمان، والخطر والراحة، وشعوراً بالتواصل مع الآخرين، وجعلت منَّا بشراً. وتتجلى في علاقة الصوت بالمجتمع أبعاداً إنسانية، وتغيّرات حضارية، زاخِرة بالمفاجآتِ والإثارة. وعلى مرّ العصور، أثَّر الصوت وضجيجه في حياة الناس كافة، وغَدَا لأسباب اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، ثابتاً مُقَدَّساً في قاموس الحياة اليوميّة. فألهمَ دارسيه منذ زمنٍ طويل؛ إذ تأمّل الفيزيائيون ظاهرته، وتَقَصَّى الأنثروبولوجيون آثاره، وأَحَسَّ الشعراء بجمالياته.”

الحُضُور: ومواجهة التحديات

الحضور

قدمت المؤلفة اِمي كادي الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال، والمتحدثة في مؤتمر التقنية والترفيه والتصميم (TED) في هذا الكتاب المتضمن أحد عشر فصلاً طرحًا عن مدى تأثير اللغة الجسدية أو ما يسمى علميًا باللغة غير اللفظية على عقل الإنسان، وانعكاس ذلك على زيادة ثقة الإنسان بنفسه واستعداده الإنسان لمواجهة لحظات الحياة الصعبة. وعن كيفية استخدام تقنيات بسيطة لتحرير أنفسنا من القلق والخوف؛ في تلك اللحظات التي تتطلب أن يكون الإنسان على طبيعته، ليتمكن من تجاوزها. ويناقش دور التعزيز الإيجابي للذات، ودور الهرمونات والسلوك الجسدي وتعبيرات الوجه في الإحساس بالثقة والمصداقية.

ارتكزت المؤلفة في هذا الطرح على عدة تجارب لمجموعة من الأشخاص، ومستعينة بروئ طبية ومجموعة من الدراسات النفسية الاجتماعية، بالإضافة الى تجربة المؤلفة الشخصية.

يقول الكتاب أن هناك ثلاث حقائق عن النفس البشرية: أولاً إنها متعددة الأوجه،؛ تعكس أفكارنا ومعتقداتنا؛ مرنة وليست ساكنة. ويركز الكتاب على خلاصة علمية تدول حول كيف يؤثر الجسم على العقل، وأن “وضعية الجسد الواثق” يعزز الثقة بالنفس ويحقق الحُضُور على المستوى الاجتماعي والمهني. وعرفت المؤلفة الحُضُور بأنه: “ذلك الشعور المرتبط بأفكارنا وقيمنا وقدراتنا وعواطفنا، والذي يمكننا من التواصل بشكل أفضل مع الآخرين”.

وتقدم المؤلفة بعض الأساليب عن هذا الفرضية جُربت في عدة أمكان: مقابلات واجتماعات العمل، والمنافسات الرياضية. وتحكي كذلك كيف ساعدت هذه الأساليب بعض الأشخاص على تجاوز أزماتهم. فهي تقول أن الأنسان يصل عن طريق لغة الجسد والسلوك ألى الطاقة والقوة الشخصية، وبالتالي يحقق “الحضور” تلك الحالة التي تزيل القلق عن انطباع الآخرين، وتستبدل الثقة بالخوف.

واستخدمت أساليب صغيرة وطرح بسيط لتوضح العلاقة بين العقل والجسد والسلوك، وكيف أن السلوك الجسدي يغير العقل وليس العكس. فتقول مثلاً أن الوقوف “بوضعية ثقة” لمدة دقيقتين يعزز الثقة فعليًا، ويجعل الفرد قادرًا على التعامل مع الصعوبات التي يواجهها. ودللت المؤلف عن هذه الفرضية من خلال عدة تجارب شخصية، وقياسات مخبرية أثببت بعد تجربة أحد المجموعات أن هرمون التستوستيرون ارتفع لديهم في حين انخفض هرمون الكورتيزول، هذه الحالة التي تجعل الإنسان في أفضل حالاته الجسدية. وأن ما يثبت فرضيتها أن 80٪ من ألياف العصب الحائر الحسية تذهب من الجسم إلى الدماغ وليس العكس. و أظهرت تجربة عن “وضعية” طأطأة الرأس والتحديق في الهواتف الذكية أن هذه الوضعية تعكر المزاج وتقلل الثقة بالنفس والإنتاجية.

جُغرافيا العبقرية: البحثُ عن الأماكن الأكثر تحفيزًا للإبداع في العالم

 geography-of-genius

في كتابه الصادر حديثًا (جغرافيا العبقرية: البحثُ عن الأماكنِ الأكثر تحفيزًا للإبداع في العالم من أثينا القديمة إلى وادي السيلكون، 2016) طرح المؤلف إرِك واينر أفكارًا ورؤى عدة تحاول معرفة مصدر العبقرية الإنسانية. بمعنى أين ومتى تزدهر؟ ووجد في تتبعه الجغرافيِّ والتاريخيِّ أنّ هُناك سمات مشتركة وواضحة في أماكن ظهور العباقرة والمبدعين. ونقدم هنا مقتطفات لإحدى مراجعات الكتاب:

قد يَكون من النادر هذه الأيام ألا تلتقي من حين لآخر بشخص مُهتم في البحث عن موضوع الإبداع. سواءً كان هدفه اكتساب الإبداع أو اكتشافه. من الواضح أننا مهووسون في التنقيب عن منبع هذا السرّ.

بدء واينر بحثه مع ست مجموعات تاريخية من العباقرة، ومجموعة أخرى من العصر الحديث. يبحث عن العوامل التي أدت إلى ظهورهم، ويتسأل لماذا ظَهرَ من أماكن وفي أزمنة معيّنة “عدد كبير من العقول اللامعة والأفكار النيرة”. جمع في طرحه مزيجًا من مذكرات الرحلات الشخصية وتقارير عن أحدث الأبحاث العلمية والتاريخية. وقدَّم في هذا الكتاب نظرة جديدة وغنية بالمعلومات عن الموضوع الذي ما زال يمثل مَعِينًا لا ينضب من السحر الدائم.

لم يرجح واينر من البداية النظريات التي تناولت سرّ العبقرية. مثل نظرية العالم البريطاني في القرن التاسع عشر السير فرانسيس گالتون التي تربط بين العبقرية والوراثة. أو قاعدة العشرة آلاف ساعة تدريب التي ذكرها مالکوم گلادول في كتابه “المتميزون” وأشار فيه إلى أنّ الإبداعَ هو نتاجُ العملِ الجاد الدؤوب.

بدلا من ذلك، فقد اِسترشدَ في  بحثه بأعمال دين كيث سيمنتُن، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا دايفس، ورائد القياسات التاريخية في دراسة “العصور التي ظهر فيها الفنُ الجميل، والفلسفةُ الرائعة، والاكتشافات العلمية”. وهي قياسات إحصائية تُطبق رؤى العلوم الاجتماعية.

شرع الصحفي واينر  في رحلة جابَ خلالها مناطق عديدة من العالم. أخذته إلى أثينا، وهانغتشو، وفلورنسا، وأدنبرة، وكلكتا وفيينا. وفتش في السجلات والوثائق التاريخية عن الخيوط والدلائل التي جعَلت هذه المدن استثنائية في عصورها المزدهرة. ويقارن تلك الدلائل مع ظروف العصر الحالي. ويُنهي واينر  رحلته الطويلة في وادي السيليكون ويصفه بأنه “المظهر الأخير من مظاهر النكهة الأمريكية للعبقرية”.

ومع تقدير واينر لأفكار سيمونتون، إلا أنه في كتابه جغرافيا العبقرية تناول موضوع الإبداع من عدة أوجه. وذَكرَ أنه من الصعب الاعتماد على مقياسٍ واحدٍ لتفسير عبقرية الإنجازات الفكرية الرائعة في أثينا عصر بريكليس، وفن ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو في فلورنسا عصر النهضة، أو موسيقى موزارت وبيتهوفن وهايدن العظيمة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر القرن في فيينا.

ثم يحدد واينر الظروف العديدة التي وفرت تُربة خصبة لظهور للعبقرية وتجذرها. فيصف الِاختلاط بين الثقافات المتنوعة في أثينا القديمة بقوله: “لا شيء يقتل الإبداع أكثر من العزلة”، وهي الملاحظة التي تبدو وثيقة الصلة في النقاش الدائر حول الهجرة في العصر الحديث. كما ذَكرَ دور هيمنة السياسية الإنگليزية التي كانت سمة من سمات التنوير الاسكتلندي في القرن الثامن عشر. وكذلك دور عصر النهضة الهندية في البنغال التي امتدت خلال الفترة 1840-1920، أو مقاهي سيجموند فرويد في عصر فيينا التي وصفها بأنهّا “كاتدرائيات دنيوية، وحاضنات للأفكار، ومفترق طرق فكرية”.

من أهم ما يقوم به واينر في كل مدينة يزورها، أنْ يلتقي بصحفي أو كاتب مُطَّلع اِطّلاعًا واسعًا في تاريخ وثقافة المدينة. ففي أثينا صادف أن يكون اسم مرشده السياحي أرسطو. وقاده هذا اللقاء إلى حديث مع فيلسوف يونانيِّ يدعى نيكوس ديمو، الذي يعترف أنه لا يقرأ لأفلاطون ولا أحبه. عندما سأله واينر كيف تشعر كونك فيلسوفًا يونانيًا في أثينا في القرن الحادي والعشرين. أجاب ديمو: “جائع، جائع للغاية!”. والتقى في هانغتشو مع الملياردير الصيني جاك ما مؤسس مجموعة علي بابا، الذي يعزو ضعف الابتكار في الصين الحديثة إلى تخلي البلاد عن الممارسات التقليدية القديمة مثل الفلسفة الطاوية.

ختم الكتاب بفصل عن وادي السليكون. وهو الفصل الأقصر. ربما لأن قصة الابتكار التقنيِّ معروفة، أو ربما أنه متردد في أن يصف هذه المنطقة بالعبقرية. ويقول عن الثقافة التقنية الفائقة التي ازدهرت هنا: “إذا كان لها أن تستمر، فلا بد أنْ تجد مصادر بديلة للطاقة، وطرق جديدة إبداعية، وليس مجرد إنتاج منتجات جديدة.”

يتسم أسلوب الكتابِ بالمرِح، ولكنه مَليء بالمعرفة. يذكرنا ببرامج ستيفن جونسون الوثائقية “كيف وصلنا إلى الوقت الحاضر”. يصف الإمبراطور جوزيف الثاني “بمايكل بلومبرغ الإمبراطورية النمساوية المجرية” أو أندريا دل فروكيو [رسام مشهور في فلورنسا] بأنه “لو ريد عصر النهضة” ويصف مَرسَمه بالحاضنة التي جمعت عشرات الفنانين في فلورنسا، ومن بينهم ليوناردو.

ويلخص واينر رحلته المحفزة بتحديد ثلاث سمات ترافقت مع ظهور العبقرية وهي: الِاختلاط والتنوّع   والتميِيز. وهذه السمات الثلاث التي تشترك بها وبشكل مثير جميع الأماكن التي وصفت بمنبع العبقرية.

العالم العقلي للمفكرين

غلاف الكتاب

قدَّمَت لورا أوتِس مؤرخة العلوم وأستاذ اللغة الإنگليزية في جامعة إِمَروي في كتاب (التفكير في إعادة التفكير، 2015) طرحًا عن اختلاف طريقة التفكير بين الأشخاص، بعد أن درسَت عقول ثلاثين شخصية من كُتَّاب روايات وشعراء وعلماء. ركزَت فيها على إحساسهم الفردي المتضمن صورَ العقل المرئية واللغة اللفظية التي تُستخدم في العملية العقيلة مثل التخطيط، وحلِّ المشاكل؛ مستشهدةً بعدة نتائج لدراسات حديثة في مجال علم الأعصاب. وأكدت المؤلفة أنَّ العديد من المبدعين دخلوا مجالات تتطلب مهارات غير سهلة، وأنَّ التركيز على القدرات كونها “بصرية” أو “لفظية” هو تبسيطٌ للأمور، والأهم هو كيف ترتبط معًا وتتطور.

لورا أوتِس

ونقدِّم هنا مقتطفات من مقدمة الكتاب:

على مدى سبعةٍ وعشرين عامًا من تقديم المحاضرات التعليمية التي تجمَعُ بين العلم والأدب والكتابة، استولَى عليَّ سؤال: كيف يفكر الناس وبأي طريقة؟! ومن هذا الكتاب سوف أُعرِّف التفكير باعتباره طريقة واعية يقوم بها الناس لمعالجة المعلومات: كيف يخططون، ويتخيلون، ويتعلمون، ويفهمون، ويتذكرون. يحدُث معظم النشاط العقليِّ دون إدراك واعٍ، ولكني هنا أركز على تجربة التفكير الواعية، ولقد تعلَّمتُ أنَّ عوالم الناس العقلية تختلف بشكل مدهش، عندما حاولتُ أنْ أرسم أشكال البروتنيات، دهشتُ للغاية وظللتُ أحدِّق في هذا الشكل الثنائيِّ الشبيه بالحلوى في كتاب الكيمياء العضوية، والذي يصرُّ مؤلفوه على أنَّ أشكال البروتنيات مرسومة ثلاثية الأبعاد، أمَّا أنا فلم أرَها كذلك. واستمعتُ إلى الطلاب الآخرين بتشكك وهم يصفون متحركات كالدر الافتراضية [أشكال متحركة للنحات ألكسندر كالدر]. وفي عين عقلي لم أرَ قط أشكالًا ثلاثية الأبعاد، وفكرتُ: لعلها تشبه “ملابس الإمبراطور الجديدة”! [القصة التي تدور حول حاكم يقنعه خياطان بأنْ يصنعا له بدلةً خفية لا يراها الحمقى]، لم أستطع أنْ أقنع نفسي أنهم كانوا يكذبون، كانت عقولهم تفعل شيئًا لا يمكنني أنْ أفعله. شعرتُ بالخجل والعجز، ولكن في الوقت نفسه، فتنني هذا الأمر. ما يدور في عقول الأخرى هو لغز يمكن أنْ يثير ردود فعل محبطة. نحن لا نعرف إحساس الأشخاص الآخرين، ونادرًا ما نتحدث عنها، ونفترض أنَّ إحساسهم يشبه إحساسنا، لكن عندما يتعلق الأمر بالتفكير، لا نعرف على وجه اليقين، ويكون الافتراض غامضًا.

في الفيلم الذي عرض عن العالمة تامبل غراندين [أستاذة في علم الحيوان المصابة بالتوحد] والتي كانت في سِنِّ المراهقة تملك ذاكرة بصرية استثنائية، سألها معلم العلوم إذا كانت تستطيع تذكر تفاصيل وأشياء عادية، مثل الأحذية مثلاً، ثم انتقل المشهد إلى وميض متتابع لصور أحذية يتزايد مع حدَّة في الإثارة  يمثل نشاط غراندين العقليِّ، وكأنه محرك البحث لصور جوجل، ثم سردت غراندين بأسرع ما تستطيع أنواع جميع الأحذية التي رأتها، ولكن كان حديثها لا يواكب سرعة ذاكرتها البصرية. سألها معلم العلوم: “إذًا أمكنك تذكُّر كلِّ الأحذية التي رأيتِها من قبل؟” فأجابت: “بالتأكيد، أليس بإمكانك القيام بذلك؟!”

لقد شاهدتُ العديد من هذه الأمثلة كثيرًا، بعد انتقال اهتمامي من مجال العلوم إلى الأدب. كثيرًا ما رأيتُ دهشة الناس وهو يقيمّون قدرة عقول الآخرين أو عدم قدرتها، مثل تدوير الحرف N ذهنيًّا لتسعين درجة، ثم ملاحظة ما ينتج من شكل جديد. لقد شعرتُ بشعور الناس القوي -أو الضعيف- عن افتراضهم أنَّ لكل الأشخاص طريقة واحدة في التفكير. لا تحبط هذه الافتراضات التواصل فحسب؛ بل يمكن أنْ تجعل المبدعين يعتقدون أنهم لا يفكرون على الإطلاق. وضعتُ هذا الكتاب لمن سبق وقيل له: “أنت لا تفكر!” والتي تظهر في كثير من الأحيان في حالة ارتكاب الأخطاء أو السهو.

في نقاش دار مؤخرًا في جامعة إِمَروي، شرحَت الطبيبة النفسية روزمِري گارلن تَمبسِن لبعض أساتذة الأدب كيفية تعالج العقول البشرية اللغة. قالت:

  • عندما تسمع الكلام، يثار نشاط في القشرة اليسرى. أنت ..”
  • ” انتظر لحظة. من أنت؟

بالنسبة للطبيبة گارلن تَمبسِن التي ساعدَت في استحداث مجال دراساتِ الإعاقة، فإن  “أنت” تعتبر فردية بذاتها. متمايزة عن “أنتم” التي تعتبر غير كافية. إن مهارة تامبل غراندين مع الصور الذهنية البصرية جعلت منها مصمِّمة ومهندسة مبدعة، وفي حين خلقت الطرق البديلة من التفكير عيوبًا في بعض السياقات فقد منحت مزايا في مناطق أخرى.

وحتى وقت قريب، قدَّم كثير من علماء الأعصاب وعلماء النفس دراساتٍ مثيرة للاهتمام عن الفروق الفردية هادفين إلى بناء معرفة شاملة عن الدماغ الإنسانيِّ. وكان قرار اختيار التركيز على الصفات الإنسانية المشتركة قرارًا واعيًا ومستنيرًا من أجل إرساء الأساس لهذا المجال الجديد، حيث أن الاهتمام بالاختلافات الشخصية يناقش دائمًا، وركز علماء الطب المخبريِّ على القواسم المشتركة وقدموا بيانات يمكن الوثوق بها. ولكن تعتبر دراسة الفروقات الفردية ترفًا لا يستطيعون القيام به حتى الآن؛ مما جعل علماء العلوم الإنسانية متحيِّزين عندما ينتقدون “سذاجة” التجريبيّن في سعيهم إلى معرفة “الأسس العصبية” من الظواهر المعقدة مثل إلقاء النكات. لا يتوقع من عالم الأعصاب معرفة كلِّ شيء عن النكتة من خلال دراسة الحالة عبر جهاز التصوير بالرنين المغناطيسيِّ الوظيفيِّ؛ والأغلب منهم يدرك تمامًا قوة أساليبهم في البحث وكذلك حدودها. وبعد أنْ عملتُ في المختبرات لمدة عشرة أعوام، أقدِّر ذلك الابتكار والتفاني، والشجاعة من العلماء التجريبييّن. تصميم التجارب المتحكم بها لاستكشاف وظائف معقدة مثل طرق التفكير والكتابة تدلُّ على بداية مشجعة.

 

شاعر الفلبين.. خوسيه گارسيا ڨيلا

غلاف المجموعة

قبل كل شيء،

يجب أنْ تكون القصيدة ساحرة البيان

موسيقية… كتغريد نورس البحر

عليها أنْ تحلق بإثارة

كطير يحمل سرَّ البراعة

أنْ تكون كالكأس، رقيقةً

تشع دفئًا ومشاعر

يجب أنْ تكون دقيقة كالسهام الصائبة

وأنْ تنحني كالزهرة – تواضعًا

أن تُرهف لها الآذان

وهي تتماهى كحمامة، وتتمايل كغزال

يجب أنْ تكون بعيدة المنال

كسعي حثيث إلى المحبوبة

وبعد كل شيء،

أريد أنْ أحلق عاليًا

بنفحات قصيدة سماوية

الأبيات التي قرأتموها آنفًا هي مقطوعة من “القصيدة السابعة عشر” للشاعر الفلبيني خوسيه گارسيا ڨيلا، صاحب المقولة الشهيرة: “تولد الرواية من خيبة الأمل، وتولد القصيدة من اليأس”، وإليه أيضًا تُنسب عبارة “كُنه القصيدة يكمن بين الكلمات”.

يعتبر خوسيه گارسيا ڨيلا من أشهر شعراء الفلبين وأدبائه، فهو شاعر وقاصٌّ وناقد ورسام، وضعَه النقاد على قائمة الرعيل الأول من كتَّاب الفلبين الناطقين باللغة الإنجليزية، وهو صاحب بصمات واضحة في تاريخ النثر، والشعر الفلبينيِّ المكتوب بالإنجليزية.

ولد خوسيه في عام 1908 في مانيلا، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1930، وأمضى حياته في الولايات المتحدة حتى وفاته في العام 1997، منحته الحكومة الفلبينية في العام 1973 جائزة الفنانين الفلبينيين الوطنية في الآداب؛ تقديرًا لمكانته وإسهاماته الأدبية القيمة.

اشتهر بمجموعاته الشعرية وقصصه القصيرة، حيث أصدر المجموعة الشعرية الأولى في عام 1942 وكانت بعنوان “ها أنا ذا، وصلتُ” التي حظيت بثناء النقاد وإعجابهم، كما حصلت هذه المجموعة على جائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، ونالت جائزة الشعر من جمعية الشعر الأمريكية. كما أنَّ له العديد من الأعمال المتميزة مثل: “هوامش شاب”، و”أصوات عديدة”، و”قصائد 55″، و”في مديح الحب”، و”مجموعة قصصية” و”قصائد دوڨگليون” (وهو الاسم المستعار الذي يُعرف به خوسيه).

لقد كانت أعماله محل تقدير النقاد والأدباء في عصره؛ يقول عنه لويس فرانسيا في كتاب «مقتطفات من الأدب الفلبيني في القرن العشرين»: “كان عقد الثلاثينيات من القرن العشرين علامة فارقة عندما أدخل خوسيه گارسيا “المحظورات” على الشعر، أو على أقل تقدير الأساليب غير ذات الصلة؛ فقد أكد على أهمية البراعة والتفوق اللغويِّ والإيقاع أكثر من المعنى في القصيدة”.

إنَّ شهرة خوسيه گارسيا ڨيلا الحائز على تقدير الوسط الثقافي العالمي في ذلك الوقت، والتغييرات الإبداعية التي أضافها إلى الشعر قد انعكست على أجيال الكتاب الفلبينيين من الشباب. المميز في أدب خوسيه أنَّ مذهبه الشعريَّ والذي يُوصف بالشكليِّ، والتجريديِّ متسق ومتوازن مع التقاليد الفلبينية الأدبية المدونة باللغة التاغالوغية والأسبانية منذ بداية القرن التاسع عشر، وحتى نهاية عقد العشرينيات من القرن العشرين.

عُرف عن خوسيه گارسيا ابتكاراته في بنية القصيدة؛ حيث أدخل تغييرات على القافية، ونُسب إليه أسلوب “قصيدة الفاصلة” و”تكرار الحروف المعكوسة”، ففي تقديمه لقصيدة “الفاصلة” نجده يشرح هذا الأسلوب الجديد بقوله: “إنَّ الفاصلة جزء أساسيٌّ ولا تنفصل عن بنية القصيدة؛ فهي تنظم حركة القصيدة اللفظية وإيقاعها، وتمكِّن كل كلمة من الوصول إلى أقصى درجة نغمية لتصبح قابلة أكثر للقياس”.

أما ” تكرار الحروف المعكوسة”، والذي يُعد أسلوبًا جديدًا في القافية، فيقول عنه خوسيه: “إنه أسلوب مبتكر لم يُستخدم من قبل في تاريخ الشعر الإنجليزي، ويظهر عندما تُعكَس الحروف الصحيحة في نهاية المقطع اللفظيِّ، أو آخر حرف في الكلمة مع نهايات أبيات القصيدة”.

 

كن جميلاً، نبيلاً، كنملة حكيمة

صامدة في مهب الريح، وتحت هجير الشمس

لا تلفُ رداءً، ولا تعتمر خوذة

ومع إنها رائدة ومقاتلة

إلا أنها لا ترتدي سوى جسدها