الحُضُور: ومواجهة التحديات

الحضور

قدمت المؤلفة اِمي كادي الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال، والمتحدثة في مؤتمر التقنية والترفيه والتصميم (TED) في هذا الكتاب المتضمن أحد عشر فصلاً طرحًا عن مدى تأثير اللغة الجسدية أو ما يسمى علميًا باللغة غير اللفظية على عقل الإنسان، وانعكاس ذلك على زيادة ثقة الإنسان بنفسه واستعداده الإنسان لمواجهة لحظات الحياة الصعبة. وعن كيفية استخدام تقنيات بسيطة لتحرير أنفسنا من القلق والخوف؛ في تلك اللحظات التي تتطلب أن يكون الإنسان على طبيعته، ليتمكن من تجاوزها. ويناقش دور التعزيز الإيجابي للذات، ودور الهرمونات والسلوك الجسدي وتعبيرات الوجه في الإحساس بالثقة والمصداقية.

ارتكزت المؤلفة في هذا الطرح على عدة تجارب لمجموعة من الأشخاص، ومستعينة بروئ طبية ومجموعة من الدراسات النفسية الاجتماعية، بالإضافة الى تجربة المؤلفة الشخصية.

يقول الكتاب أن هناك ثلاث حقائق عن النفس البشرية: أولاً إنها متعددة الأوجه،؛ تعكس أفكارنا ومعتقداتنا؛ مرنة وليست ساكنة. ويركز الكتاب على خلاصة علمية تدول حول كيف يؤثر الجسم على العقل، وأن “وضعية الجسد الواثق” يعزز الثقة بالنفس ويحقق الحُضُور على المستوى الاجتماعي والمهني. وعرفت المؤلفة الحُضُور بأنه: “ذلك الشعور المرتبط بأفكارنا وقيمنا وقدراتنا وعواطفنا، والذي يمكننا من التواصل بشكل أفضل مع الآخرين”.

وتقدم المؤلفة بعض الأساليب عن هذا الفرضية جُربت في عدة أمكان: مقابلات واجتماعات العمل، والمنافسات الرياضية. وتحكي كذلك كيف ساعدت هذه الأساليب بعض الأشخاص على تجاوز أزماتهم. فهي تقول أن الأنسان يصل عن طريق لغة الجسد والسلوك ألى الطاقة والقوة الشخصية، وبالتالي يحقق “الحضور” تلك الحالة التي تزيل القلق عن انطباع الآخرين، وتستبدل الثقة بالخوف.

واستخدمت أساليب صغيرة وطرح بسيط لتوضح العلاقة بين العقل والجسد والسلوك، وكيف أن السلوك الجسدي يغير العقل وليس العكس. فتقول مثلاً أن الوقوف “بوضعية ثقة” لمدة دقيقتين يعزز الثقة فعليًا، ويجعل الفرد قادرًا على التعامل مع الصعوبات التي يواجهها. ودللت المؤلف عن هذه الفرضية من خلال عدة تجارب شخصية، وقياسات مخبرية أثببت بعد تجربة أحد المجموعات أن هرمون التستوستيرون ارتفع لديهم في حين انخفض هرمون الكورتيزول، هذه الحالة التي تجعل الإنسان في أفضل حالاته الجسدية. وأن ما يثبت فرضيتها أن 80٪ من ألياف العصب الحائر الحسية تذهب من الجسم إلى الدماغ وليس العكس. و أظهرت تجربة عن “وضعية” طأطأة الرأس والتحديق في الهواتف الذكية أن هذه الوضعية تعكر المزاج وتقلل الثقة بالنفس والإنتاجية.

جُغرافيا العبقرية: البحثُ عن الأماكن الأكثر تحفيزًا للإبداع في العالم

 geography-of-genius

في كتابه الصادر حديثًا (جغرافيا العبقرية: البحثُ عن الأماكنِ الأكثر تحفيزًا للإبداع في العالم من أثينا القديمة إلى وادي السيلكون، 2016) طرح المؤلف إرِك واينر أفكارًا ورؤى عدة تحاول معرفة مصدر العبقرية الإنسانية. بمعنى أين ومتى تزدهر؟ ووجد في تتبعه الجغرافيِّ والتاريخيِّ أنّ هُناك سمات مشتركة وواضحة في أماكن ظهور العباقرة والمبدعين. ونقدم هنا مقتطفات لإحدى مراجعات الكتاب:

قد يَكون من النادر هذه الأيام ألا تلتقي من حين لآخر بشخص مُهتم في البحث عن موضوع الإبداع. سواءً كان هدفه اكتساب الإبداع أو اكتشافه. من الواضح أننا مهووسون في التنقيب عن منبع هذا السرّ.

بدء واينر بحثه مع ست مجموعات تاريخية من العباقرة، ومجموعة أخرى من العصر الحديث. يبحث عن العوامل التي أدت إلى ظهورهم، ويتسأل لماذا ظَهرَ من أماكن وفي أزمنة معيّنة “عدد كبير من العقول اللامعة والأفكار النيرة”. جمع في طرحه مزيجًا من مذكرات الرحلات الشخصية وتقارير عن أحدث الأبحاث العلمية والتاريخية. وقدَّم في هذا الكتاب نظرة جديدة وغنية بالمعلومات عن الموضوع الذي ما زال يمثل مَعِينًا لا ينضب من السحر الدائم.

لم يرجح واينر من البداية النظريات التي تناولت سرّ العبقرية. مثل نظرية العالم البريطاني في القرن التاسع عشر السير فرانسيس گالتون التي تربط بين العبقرية والوراثة. أو قاعدة العشرة آلاف ساعة تدريب التي ذكرها مالکوم گلادول في كتابه “المتميزون” وأشار فيه إلى أنّ الإبداعَ هو نتاجُ العملِ الجاد الدؤوب.

بدلا من ذلك، فقد اِسترشدَ في  بحثه بأعمال دين كيث سيمنتُن، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا دايفس، ورائد القياسات التاريخية في دراسة “العصور التي ظهر فيها الفنُ الجميل، والفلسفةُ الرائعة، والاكتشافات العلمية”. وهي قياسات إحصائية تُطبق رؤى العلوم الاجتماعية.

شرع الصحفي واينر  في رحلة جابَ خلالها مناطق عديدة من العالم. أخذته إلى أثينا، وهانغتشو، وفلورنسا، وأدنبرة، وكلكتا وفيينا. وفتش في السجلات والوثائق التاريخية عن الخيوط والدلائل التي جعَلت هذه المدن استثنائية في عصورها المزدهرة. ويقارن تلك الدلائل مع ظروف العصر الحالي. ويُنهي واينر  رحلته الطويلة في وادي السيليكون ويصفه بأنه “المظهر الأخير من مظاهر النكهة الأمريكية للعبقرية”.

ومع تقدير واينر لأفكار سيمونتون، إلا أنه في كتابه جغرافيا العبقرية تناول موضوع الإبداع من عدة أوجه. وذَكرَ أنه من الصعب الاعتماد على مقياسٍ واحدٍ لتفسير عبقرية الإنجازات الفكرية الرائعة في أثينا عصر بريكليس، وفن ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو في فلورنسا عصر النهضة، أو موسيقى موزارت وبيتهوفن وهايدن العظيمة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر القرن في فيينا.

ثم يحدد واينر الظروف العديدة التي وفرت تُربة خصبة لظهور للعبقرية وتجذرها. فيصف الِاختلاط بين الثقافات المتنوعة في أثينا القديمة بقوله: “لا شيء يقتل الإبداع أكثر من العزلة”، وهي الملاحظة التي تبدو وثيقة الصلة في النقاش الدائر حول الهجرة في العصر الحديث. كما ذَكرَ دور هيمنة السياسية الإنگليزية التي كانت سمة من سمات التنوير الاسكتلندي في القرن الثامن عشر. وكذلك دور عصر النهضة الهندية في البنغال التي امتدت خلال الفترة 1840-1920، أو مقاهي سيجموند فرويد في عصر فيينا التي وصفها بأنهّا “كاتدرائيات دنيوية، وحاضنات للأفكار، ومفترق طرق فكرية”.

من أهم ما يقوم به واينر في كل مدينة يزورها، أنْ يلتقي بصحفي أو كاتب مُطَّلع اِطّلاعًا واسعًا في تاريخ وثقافة المدينة. ففي أثينا صادف أن يكون اسم مرشده السياحي أرسطو. وقاده هذا اللقاء إلى حديث مع فيلسوف يونانيِّ يدعى نيكوس ديمو، الذي يعترف أنه لا يقرأ لأفلاطون ولا أحبه. عندما سأله واينر كيف تشعر كونك فيلسوفًا يونانيًا في أثينا في القرن الحادي والعشرين. أجاب ديمو: “جائع، جائع للغاية!”. والتقى في هانغتشو مع الملياردير الصيني جاك ما مؤسس مجموعة علي بابا، الذي يعزو ضعف الابتكار في الصين الحديثة إلى تخلي البلاد عن الممارسات التقليدية القديمة مثل الفلسفة الطاوية.

ختم الكتاب بفصل عن وادي السليكون. وهو الفصل الأقصر. ربما لأن قصة الابتكار التقنيِّ معروفة، أو ربما أنه متردد في أن يصف هذه المنطقة بالعبقرية. ويقول عن الثقافة التقنية الفائقة التي ازدهرت هنا: “إذا كان لها أن تستمر، فلا بد أنْ تجد مصادر بديلة للطاقة، وطرق جديدة إبداعية، وليس مجرد إنتاج منتجات جديدة.”

يتسم أسلوب الكتابِ بالمرِح، ولكنه مَليء بالمعرفة. يذكرنا ببرامج ستيفن جونسون الوثائقية “كيف وصلنا إلى الوقت الحاضر”. يصف الإمبراطور جوزيف الثاني “بمايكل بلومبرغ الإمبراطورية النمساوية المجرية” أو أندريا دل فروكيو [رسام مشهور في فلورنسا] بأنه “لو ريد عصر النهضة” ويصف مَرسَمه بالحاضنة التي جمعت عشرات الفنانين في فلورنسا، ومن بينهم ليوناردو.

ويلخص واينر رحلته المحفزة بتحديد ثلاث سمات ترافقت مع ظهور العبقرية وهي: الِاختلاط والتنوّع   والتميِيز. وهذه السمات الثلاث التي تشترك بها وبشكل مثير جميع الأماكن التي وصفت بمنبع العبقرية.

العالم العقلي للمفكرين

غلاف الكتاب

قدَّمَت لورا أوتِس مؤرخة العلوم وأستاذ اللغة الإنگليزية في جامعة إِمَروي في كتاب (التفكير في إعادة التفكير، 2015) طرحًا عن اختلاف طريقة التفكير بين الأشخاص، بعد أن درسَت عقول ثلاثين شخصية من كُتَّاب روايات وشعراء وعلماء. ركزَت فيها على إحساسهم الفردي المتضمن صورَ العقل المرئية واللغة اللفظية التي تُستخدم في العملية العقيلة مثل التخطيط، وحلِّ المشاكل؛ مستشهدةً بعدة نتائج لدراسات حديثة في مجال علم الأعصاب. وأكدت المؤلفة أنَّ العديد من المبدعين دخلوا مجالات تتطلب مهارات غير سهلة، وأنَّ التركيز على القدرات كونها “بصرية” أو “لفظية” هو تبسيطٌ للأمور، والأهم هو كيف ترتبط معًا وتتطور.

لورا أوتِس

ونقدِّم هنا مقتطفات من مقدمة الكتاب:

على مدى سبعةٍ وعشرين عامًا من تقديم المحاضرات التعليمية التي تجمَعُ بين العلم والأدب والكتابة، استولَى عليَّ سؤال: كيف يفكر الناس وبأي طريقة؟! ومن هذا الكتاب سوف أُعرِّف التفكير باعتباره طريقة واعية يقوم بها الناس لمعالجة المعلومات: كيف يخططون، ويتخيلون، ويتعلمون، ويفهمون، ويتذكرون. يحدُث معظم النشاط العقليِّ دون إدراك واعٍ، ولكني هنا أركز على تجربة التفكير الواعية، ولقد تعلَّمتُ أنَّ عوالم الناس العقلية تختلف بشكل مدهش، عندما حاولتُ أنْ أرسم أشكال البروتنيات، دهشتُ للغاية وظللتُ أحدِّق في هذا الشكل الثنائيِّ الشبيه بالحلوى في كتاب الكيمياء العضوية، والذي يصرُّ مؤلفوه على أنَّ أشكال البروتنيات مرسومة ثلاثية الأبعاد، أمَّا أنا فلم أرَها كذلك. واستمعتُ إلى الطلاب الآخرين بتشكك وهم يصفون متحركات كالدر الافتراضية [أشكال متحركة للنحات ألكسندر كالدر]. وفي عين عقلي لم أرَ قط أشكالًا ثلاثية الأبعاد، وفكرتُ: لعلها تشبه “ملابس الإمبراطور الجديدة”! [القصة التي تدور حول حاكم يقنعه خياطان بأنْ يصنعا له بدلةً خفية لا يراها الحمقى]، لم أستطع أنْ أقنع نفسي أنهم كانوا يكذبون، كانت عقولهم تفعل شيئًا لا يمكنني أنْ أفعله. شعرتُ بالخجل والعجز، ولكن في الوقت نفسه، فتنني هذا الأمر. ما يدور في عقول الأخرى هو لغز يمكن أنْ يثير ردود فعل محبطة. نحن لا نعرف إحساس الأشخاص الآخرين، ونادرًا ما نتحدث عنها، ونفترض أنَّ إحساسهم يشبه إحساسنا، لكن عندما يتعلق الأمر بالتفكير، لا نعرف على وجه اليقين، ويكون الافتراض غامضًا.

في الفيلم الذي عرض عن العالمة تامبل غراندين [أستاذة في علم الحيوان المصابة بالتوحد] والتي كانت في سِنِّ المراهقة تملك ذاكرة بصرية استثنائية، سألها معلم العلوم إذا كانت تستطيع تذكر تفاصيل وأشياء عادية، مثل الأحذية مثلاً، ثم انتقل المشهد إلى وميض متتابع لصور أحذية يتزايد مع حدَّة في الإثارة  يمثل نشاط غراندين العقليِّ، وكأنه محرك البحث لصور جوجل، ثم سردت غراندين بأسرع ما تستطيع أنواع جميع الأحذية التي رأتها، ولكن كان حديثها لا يواكب سرعة ذاكرتها البصرية. سألها معلم العلوم: “إذًا أمكنك تذكُّر كلِّ الأحذية التي رأيتِها من قبل؟” فأجابت: “بالتأكيد، أليس بإمكانك القيام بذلك؟!”

لقد شاهدتُ العديد من هذه الأمثلة كثيرًا، بعد انتقال اهتمامي من مجال العلوم إلى الأدب. كثيرًا ما رأيتُ دهشة الناس وهو يقيمّون قدرة عقول الآخرين أو عدم قدرتها، مثل تدوير الحرف N ذهنيًّا لتسعين درجة، ثم ملاحظة ما ينتج من شكل جديد. لقد شعرتُ بشعور الناس القوي -أو الضعيف- عن افتراضهم أنَّ لكل الأشخاص طريقة واحدة في التفكير. لا تحبط هذه الافتراضات التواصل فحسب؛ بل يمكن أنْ تجعل المبدعين يعتقدون أنهم لا يفكرون على الإطلاق. وضعتُ هذا الكتاب لمن سبق وقيل له: “أنت لا تفكر!” والتي تظهر في كثير من الأحيان في حالة ارتكاب الأخطاء أو السهو.

في نقاش دار مؤخرًا في جامعة إِمَروي، شرحَت الطبيبة النفسية روزمِري گارلن تَمبسِن لبعض أساتذة الأدب كيفية تعالج العقول البشرية اللغة. قالت:

  • عندما تسمع الكلام، يثار نشاط في القشرة اليسرى. أنت ..”
  • ” انتظر لحظة. من أنت؟

بالنسبة للطبيبة گارلن تَمبسِن التي ساعدَت في استحداث مجال دراساتِ الإعاقة، فإن  “أنت” تعتبر فردية بذاتها. متمايزة عن “أنتم” التي تعتبر غير كافية. إن مهارة تامبل غراندين مع الصور الذهنية البصرية جعلت منها مصمِّمة ومهندسة مبدعة، وفي حين خلقت الطرق البديلة من التفكير عيوبًا في بعض السياقات فقد منحت مزايا في مناطق أخرى.

وحتى وقت قريب، قدَّم كثير من علماء الأعصاب وعلماء النفس دراساتٍ مثيرة للاهتمام عن الفروق الفردية هادفين إلى بناء معرفة شاملة عن الدماغ الإنسانيِّ. وكان قرار اختيار التركيز على الصفات الإنسانية المشتركة قرارًا واعيًا ومستنيرًا من أجل إرساء الأساس لهذا المجال الجديد، حيث أن الاهتمام بالاختلافات الشخصية يناقش دائمًا، وركز علماء الطب المخبريِّ على القواسم المشتركة وقدموا بيانات يمكن الوثوق بها. ولكن تعتبر دراسة الفروقات الفردية ترفًا لا يستطيعون القيام به حتى الآن؛ مما جعل علماء العلوم الإنسانية متحيِّزين عندما ينتقدون “سذاجة” التجريبيّن في سعيهم إلى معرفة “الأسس العصبية” من الظواهر المعقدة مثل إلقاء النكات. لا يتوقع من عالم الأعصاب معرفة كلِّ شيء عن النكتة من خلال دراسة الحالة عبر جهاز التصوير بالرنين المغناطيسيِّ الوظيفيِّ؛ والأغلب منهم يدرك تمامًا قوة أساليبهم في البحث وكذلك حدودها. وبعد أنْ عملتُ في المختبرات لمدة عشرة أعوام، أقدِّر ذلك الابتكار والتفاني، والشجاعة من العلماء التجريبييّن. تصميم التجارب المتحكم بها لاستكشاف وظائف معقدة مثل طرق التفكير والكتابة تدلُّ على بداية مشجعة.

 

شاعر الفلبين.. خوسيه گارسيا ڨيلا

غلاف المجموعة

قبل كل شيء،

يجب أنْ تكون القصيدة ساحرة البيان

موسيقية… كتغريد نورس البحر

عليها أنْ تحلق بإثارة

كطير يحمل سرَّ البراعة

أنْ تكون كالكأس، رقيقةً

تشع دفئًا ومشاعر

يجب أنْ تكون دقيقة كالسهام الصائبة

وأنْ تنحني كالزهرة – تواضعًا

أن تُرهف لها الآذان

وهي تتماهى كحمامة، وتتمايل كغزال

يجب أنْ تكون بعيدة المنال

كسعي حثيث إلى المحبوبة

وبعد كل شيء،

أريد أنْ أحلق عاليًا

بنفحات قصيدة سماوية

الأبيات التي قرأتموها آنفًا هي مقطوعة من “القصيدة السابعة عشر” للشاعر الفلبيني خوسيه گارسيا ڨيلا، صاحب المقولة الشهيرة: “تولد الرواية من خيبة الأمل، وتولد القصيدة من اليأس”، وإليه أيضًا تُنسب عبارة “كُنه القصيدة يكمن بين الكلمات”.

يعتبر خوسيه گارسيا ڨيلا من أشهر شعراء الفلبين وأدبائه، فهو شاعر وقاصٌّ وناقد ورسام، وضعَه النقاد على قائمة الرعيل الأول من كتَّاب الفلبين الناطقين باللغة الإنجليزية، وهو صاحب بصمات واضحة في تاريخ النثر، والشعر الفلبينيِّ المكتوب بالإنجليزية.

ولد خوسيه في عام 1908 في مانيلا، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1930، وأمضى حياته في الولايات المتحدة حتى وفاته في العام 1997، منحته الحكومة الفلبينية في العام 1973 جائزة الفنانين الفلبينيين الوطنية في الآداب؛ تقديرًا لمكانته وإسهاماته الأدبية القيمة.

اشتهر بمجموعاته الشعرية وقصصه القصيرة، حيث أصدر المجموعة الشعرية الأولى في عام 1942 وكانت بعنوان “ها أنا ذا، وصلتُ” التي حظيت بثناء النقاد وإعجابهم، كما حصلت هذه المجموعة على جائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، ونالت جائزة الشعر من جمعية الشعر الأمريكية. كما أنَّ له العديد من الأعمال المتميزة مثل: “هوامش شاب”، و”أصوات عديدة”، و”قصائد 55″، و”في مديح الحب”، و”مجموعة قصصية” و”قصائد دوڨگليون” (وهو الاسم المستعار الذي يُعرف به خوسيه).

لقد كانت أعماله محل تقدير النقاد والأدباء في عصره؛ يقول عنه لويس فرانسيا في كتاب «مقتطفات من الأدب الفلبيني في القرن العشرين»: “كان عقد الثلاثينيات من القرن العشرين علامة فارقة عندما أدخل خوسيه گارسيا “المحظورات” على الشعر، أو على أقل تقدير الأساليب غير ذات الصلة؛ فقد أكد على أهمية البراعة والتفوق اللغويِّ والإيقاع أكثر من المعنى في القصيدة”.

إنَّ شهرة خوسيه گارسيا ڨيلا الحائز على تقدير الوسط الثقافي العالمي في ذلك الوقت، والتغييرات الإبداعية التي أضافها إلى الشعر قد انعكست على أجيال الكتاب الفلبينيين من الشباب. المميز في أدب خوسيه أنَّ مذهبه الشعريَّ والذي يُوصف بالشكليِّ، والتجريديِّ متسق ومتوازن مع التقاليد الفلبينية الأدبية المدونة باللغة التاغالوغية والأسبانية منذ بداية القرن التاسع عشر، وحتى نهاية عقد العشرينيات من القرن العشرين.

عُرف عن خوسيه گارسيا ابتكاراته في بنية القصيدة؛ حيث أدخل تغييرات على القافية، ونُسب إليه أسلوب “قصيدة الفاصلة” و”تكرار الحروف المعكوسة”، ففي تقديمه لقصيدة “الفاصلة” نجده يشرح هذا الأسلوب الجديد بقوله: “إنَّ الفاصلة جزء أساسيٌّ ولا تنفصل عن بنية القصيدة؛ فهي تنظم حركة القصيدة اللفظية وإيقاعها، وتمكِّن كل كلمة من الوصول إلى أقصى درجة نغمية لتصبح قابلة أكثر للقياس”.

أما ” تكرار الحروف المعكوسة”، والذي يُعد أسلوبًا جديدًا في القافية، فيقول عنه خوسيه: “إنه أسلوب مبتكر لم يُستخدم من قبل في تاريخ الشعر الإنجليزي، ويظهر عندما تُعكَس الحروف الصحيحة في نهاية المقطع اللفظيِّ، أو آخر حرف في الكلمة مع نهايات أبيات القصيدة”.

 

كن جميلاً، نبيلاً، كنملة حكيمة

صامدة في مهب الريح، وتحت هجير الشمس

لا تلفُ رداءً، ولا تعتمر خوذة

ومع إنها رائدة ومقاتلة

إلا أنها لا ترتدي سوى جسدها

كيف تتغير ثقافةَ الناس بتبدل مصادر الطاقة ؟

Untitled333

يقول باري لورد في كتابه (الفن والطاقة: أسلوب التغير الثقافي، 2014) أن الإبداع البشري مرتبط ارتباطًا عميقًا بالموارد الطبيعية المتاحة للبشر على الأرض، وأن الوصول إلى مصادر الطاقة مثل الفحم والنفط والغاز، أو الطاقة المتجددة اليوم يغير طريقة التعبير الفني ويشكل القيم الثقافة بشكل جذري. يأتي استنباطه بعد دراسة للفن والفنانين والمتاحف عبر عصور تاريخية ومختلفة ومناطق متعددة من العالم.

ونقدم هنا مقتطفات لإحدى مراجعات الكتاب، جاء بعنوان: “ما هي العوامل التي تؤثر على التغير الثقافي؟ ولماذا تتغير الثقافة في الأساس؟

باري لورد، هو المؤسس المشارك لمؤسسة لورد للموارد الثقافية، شارك العديد من المؤسسات الثقافية، والمتاحف المرموقة في العالم. أدرك لورد بعد ثلاثة عقود، وعدة آلاف من المشاريع المنجزة في أكثر خمسين بلدًا حول العالم، أنه في الواقع متعلق بالأعمال التي تعني بالتغيير الثقافي.

كتب لورد وزوجته، في (2010)  كتابه (الفنانين، والمناصرين، والجمهور: أسلوب التغير الثقافي) وتناول في أحد الفصول :” في أحد فصول الكتاب الذي كتبته يسمى “الفن والبيئة”، ومن هذا الموضوع بدأت البحث عن مصادر الطاقة وعلاقتها بالبيئة، وما يتعلق بها من آثار ثقافية، ومن هذا الفصل وجدتني متوقفًا كثيرًا عند هذه الفرضية … أدركت في الواقع أننا متأثرين كثيرًا في المشاريع التي تأثرت بتبدل الطاقة التي مرت من خلالها المجتمعات…. هذه العلاقة لم أكن أعرفها. تحول الطاقة والتغير الثقافي. وهكذا تصورت نظرية عامة عن هذا الأمر، وهي أن تبدل الطاقة هو محركٌ أساسيٌ للتغيير الثقافي “.

يتحدث لورد في كتابه الجديد، (الفن والطاقة: أسلوب التغير الثقافي) مصادر الطاقة، والقيم الثقافية والفنية. وينقاش كيف غيرت مصادر الطاقة، مثل النار، أو الطاقة البدنية، والرق، والفحم، والرياح قيم المجتمعات السائدة، ثم يصف كيف تغير الفن وحافظ على هذه القيم الجديدة.

يقول: “إن مصدر الطاقة يتطلب منا القبول – وليس بالضرورة الموافقة – ببعض القيم الثقافية المرافقة معه. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها الحصول عليه… والمثير للاهتمام حقًا، أنه كلما أصبح الطاقة مسيطرًا، بمعنى أصبحنا نعتمد عليه، تصبح قيمه الثقافية عامة وشاملة،  لا أحد يناقشها، بل تقبل دون وعي في كل مكان”.

قدم لورد عصر النهضة كمثال لطرحه، وتسأل لماذا ظهرت في تلك الحقبة الكثير من لوحات الأشخاص الزيتية؟ يقول: “عندما تدرس التاريخ، سيظهر لك فجأة كل هؤلاء الأشخاص الذين عملوا قباطِينُ سفن! خذ مثلاً: السير فرانسيس دريك، ووِالتر رالي، وهنري هِدسون، وجون كابوت، وغيرهم كثير. وستتعرف على هؤلاء الرجال: فِرديناند ماجلان، وكريستوفر كولومبوس، وغيرهم. كل هؤلاء الرجال كانوا قباطِينُ سفن، اشتهروا فجأة بذواتهم”. وتابع بالقول: ” ثم  في القرن السابع عشر، أنظر لبلد مثل هولندا حيث يعيش، رمبرانت وفيرمير. وعاش شكسبير وموليير في هذه الفترة، وهنا ظهرت الأوبرا وألفت رواية سرفانتس “دون كيشوت”. كل هذا حدث القرن السابع عشر، القرن الذي تلى عصر النهضة، وكل هذه الأمثلة تدول حول النزعة الفردية التي ظهرت في ذلك الزمن، ومن هنا جاء هذا الاعتزاز المفاجئ بالأشخاص، لماذا؟ … لأنه ببساطة لم يكن في العصور الوسطى السابقة. ”

ويرى لورد أن هذه النزعة الفردية ارتبطت بثقافة الاستثمار، يقول: ” هذا الأمر الذي يبدو تناقضًا، ولكن أن له علاقة وجيهه في الواقع”. بدأ الاستثمار في إيطاليا، قبل عصر النهضة، ” كان طريق الاستثمار في ذلك الوقت عبر السفن في البحر الأبيض المتوسط، ولكن أولئك الذين يملكون سفنًا أكبر بحبال أشرعة واصواري أفضل، يتمكنوا من حمل الشحنات الثقيلة. أبحر هؤلاء أولاً من البندقية وفلورنسا وبيزا وجنوة، تلك المدن، التي بدء الناس فيها فعلاً شراء الأسهم المالية، أو قيراطات الذهب… وبحلول القرن السابع عشر، أصبحت السفن أكبر مع في رحلات أطول بكثير. واصبحت تجار التوابل يبحرون أبعد من اسطنبول، ويعودون إلى البندقية. الآن الرحلات حول العالم. وكانت الإبحار في تجارة التوابل والرقيق استثمارات مربح بشكل كبير، ولكن خطره مرتفع للغاية، وهذا هو السبب في وضع صورة لعاصفة بحرية على غلاف كتابي. في القرن السابع عشر كان هذا الموضوع يحظى بشعبية كبيرة، وكذلك النزعة الفردية. لماذا ؟ ما هذه اللوحة؟ قدمتها كلوحة فنية عن المخاطر. إنها ببساطة لوحة الخطر. تقول لك هذا ما قد يحدث لك في الطريق. إن قرار المستثمر هو قرار فردي. لذا فهو ينبع من وعي الفرد، قراره هو مصيره. وهكذا في الوقت الذي ولدت فيه ثقافة الاستثمار، ولدت الثقافة الفردية … في الوقت ذاته. هما شيئان متعاصران تماما. ولذلك ركزت أعمال كل هؤلاء الفنانين والمسرحيين الثقافية العظيمة في عصر النهضة ثم في القرن السابع عشر، على الأفراد”.

عندما تمر المجتمعات بمرحلة انتقالية من تغير مصدر طاقة إلى آخر، تتغير ثقافته. فعندما انتج الفحم. جاء معه قيمًا لتعليم للجميع، والانضباط الذاتي، وأخلاقيات العمل القوية. وأصبح فن الزجاج ممكنا. لقد أكد ظهور الفحم وسكك الحديد البخارية، الهويات الجماعية والوعي طبقي بشكل أقوى، وتطورت المكتبات وسوق للكتب.

في الستينيات من القرن العشرين، حل النفط والغاز محل الفحم كمصدر مهيمن للطاقة. وجلبت الكهرباء موجات من التغيرات الثقافية. واحدة من هذا التغيرات الملحوظ في ثقافة التحول؛  فكرة أن الفن يمكن أن يقولب المجتمع. فظهرت حركات فنية مثل جاكسون بولاك [أحد رواد حركة التعبيرية التجريدية]. وتغير أيضا مفهوم الاستهلاك كما ظهرت لدى آندي وارهول [فنان ومصصم إعلانات للمتاجر].

التاريخ الثقافي للرياضيات والفنون

لين جيموِل

 

أنَّ التاريخ هو القصص، وأنَّ الرياضيات هي اقتناص الأفكار!

في كتابها (الرياضيات والفن: التاريخ الثقافي) (2015)، قدَّمت المؤلفة والمؤرخة لين جيموِل رؤيتها عن تجسُّد الأفكار الرياضية في الفنون، وتستكشف كيف كوَّن الفنانون لآلاف السنين أعمالهم باستخدام المفاهيم الرياضية؛ مثل اللانهاية، والعدد والشكل، عبر التاريخ الثقافيِّ لهذا العلم منذ العصور القديمة وحتى وقتنا الحاضر، وكيف سعى الرياضيون والفنانون منذ فترة طويلة لفهم العالم المادي المرئيِّ والملموس، وكذلك المسائل المجردة التي يعرفونها بالفكر فقط.

وقد استهلَّت الكتابَ بوصف الرياضيات بدايةً من العصور القديمة إلى عصر التنوير، بما في ذلك العصريْن اليونانيِّ والإسلاميِّ، وتتبعَت أسس عمل الرياضيين وجوهر حرفة الفنانين، والارتباط العميق بين الحقليْن، كما قدَّم الكتاب وصفًا للشخصيات والبيئات الثقافية لعدد كبير من الرياضيين والفنانين.

غلاف الكتاب

وهنا ترجمة مقتطفات من مقال لمؤلفة الكتاب، الذي تنتقل من خلاله عبر محطات التاريخ الثقافي المشترك بين الرياضيات والفن: لماذا يُعد تاريخ الرياضيات هو تاريخ الفنِّ أيضًا؟

عندما كنتُ طالبة دراسات عليا في تاريخ الفنون، قرأتُ شروحات كثيرة عن الفن التجريديِّ، لكنها كانت بالنسبة لي غير كافية، وتتسم بالغموض، وبعد أنْ حصلتُ على درجة الدكتوراه، استمريتُ في البحث في تاريخ علوم الأحياء، والفيزياء، والفلك، ونشرتُ كتابًا مفصَّلاً أثبتُّ فيه أنَّ الفنون الحديثة ما هي إلا تعبير عن نظرة العالم العلمية، وإنَّ العديد من الأعمال الفنية هي أيضًا تعبير عن الرياضيات والتكنولوجيا.

في أثناء بحثي عن الرياضيات والفنون كان عليَّ أنْ أتعلم مفاهيم الرياضيات؛ مثل حساب التفاضل والتكامل، ونظرية الزمر، والمنطق الإسنادي، وكمبتدئة في هذا المجال، كنت أكافح لفهم هذه الأفكار، كما صدمتُ من نوعية الرسوم التوضيحية الرديئة والمربكة في معظم الكتب التعليمية؛ لذا فكرتُ في تأليف كتابي هذا، الذي احتوى على مجموعة من الرسوم البيانية في الرياضيات، وتصورات واضحة لمفاهيم مجردة.

عندما كنتُ محاضِرة في كلية الفنون البصرية في مانهاتن ألَّفت هذا الكتاب من أجل طلابي، مثل ماريا، التي قالت إنها ليست جيدة أبدًا في التاريخ لأنها لا تستطيع تذكُّر التواريخ، وجين سوغ، الذي فشل في الجبر في المدرسة الثانوية لأنه لا يستطيع حفظ المعادلات؛ كم آمل أنْ يقرآ هذا الكتاب، ويكتشفا أنَّ التاريخ هو القصص، وأنَّ الرياضيات هي اقتناص الأفكار!

اكتشف العلماء على مرِّ التاريخ، أنماطًا رياضية في الطبيعة، مثل المسارات التي تتخذها الإلكترونات وهي تتدفق فيما يشبه التلال والوديان في “مناظر طبيعية خلابة” متناهية الصغر تقاس بالميكرون (الميكرون يعادل جزءًا من المليون من المتر)، سجَّل مسارات الإلكترونات إريك جي. هيلر، الذي درس الأمواج المخادعة (الأمواج الغريبة، الأمواج القاتلة) على مقاييس كبيرة وصغيرة. عندما تتدفق موجة من الإلكترونات خلال جهاز الكمبيوتر، فإنَّ الموجة الغريبة في أشباه الموصلات يمكن أنْ تهدد فجأة تشغيل الجهاز.

لقد استمرت الرياضيات الغربية في التوسع بالتجريد والقوانين؛ ففي عصر النهضة اخترع المعماري الإيطالي فيليبو برونليسكي المنظور الخطيَّ؛ وسيلةً لإسقاط الأشكال الهندسية إلى “صورة ذات سطح مستوٍ” من زاوية معينة، بعد ثلاثة قرون أعاد عالم الرياضيات الفرنسي جان فيكتور بونسيليه إحياء منظور الهندسة الإسقاطية إلى سطح يميل أو يدور، ثم في أوائل القرن العشرين نشر الهولندي بروير هندسة بونسيليه الإسقاطية على أسطح منبسطة أو متعرجة في أيِّ شكل، فيما يسمى بالهندسة المطاطية (الطوبولوجيا)، فالسطح المُستو يستمر (مع عدم وجود ثقوب أو تمزيق).

إنَّ قدرًا كبيرًا من المعارف القديمة التي قدَّمها علماء الرياضيات اليونانيون، مثل إقليدس وبطليموس في القرون الوسطى قد ضاعت، بينما حافظ علماء المسلمين على كتاباتهم في الترجمات العربية. في القرن التاسع، أنشأ الخلفاء (بيت الحكمة) في بغداد كمكان يمكن للعلماء فيه الحصول على النصوص الأجنبية في الرياضيات والفلسفة وترجمتها، مثل مجلدات بطليموس الثلاثة عشر المعروفة اليوم بالاسم الذي أعطي لها تاليًا “المجسطي”، ومؤلفات عالم الرياضيات المسلم أبو الوفاء البوزجاني (940-998م) الذي عمل في بيت الحكمة، وكتب نصًّا عمليًّا عن أجزاء الهندسة التي يحتاج إليها الصناع، وبيَّن كيفية رسم الشكل السباعيِّ المنتظم (مضلع له سبعة أضلاع وسبع زوايا).

مع تطور السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، كانت معرفة الطريق الأمثل لخط السير أمرًا ذا فائدة عملية، دخل هذا الموضوع في أدبيات الرياضيات عام 1930، عندما وصَفها عالم الرياضيات كارل منجر بـ “مسألة الناقل” للبحث عن الطريق الأمثل، وسرعان ما أطلق عليها مصطلح “مسألة البائع المتجول” من خلال إعطاء قائمة بالمدن والمسافات بين كلِّ مدينتيْن، والعثور على أقصر الطرق بحيث تُزار كل مدينة مرة واحدة فقط ومن ثَمَّ العودة للمدينة الأصلية. ورسَم عالم الرياضيات الأمريكي روبرت بوش هذا الخط المتصل على أساس خمسة آلاف مدينة كحالة من مسألة البائع المتجول.

في عام 1905، اكتشف ألبرت أينشتاين نظرية تكافؤ كتلة – طاقة؛ بحيث يمكن تحويل الطاقة لكتلة، والعكس(E = MC2) ، ثم في العقود الأولى من القرن العشرين، اجتمع علماء الفيزياء والرياضيات، بما فيهم آينشتاين، في زيوريخ ووظفوا نظرية الزمر في استكشافاتهم عن تكافؤ الطبيعة.

لقد ابتكر الفنانون السويسريون مثل جيرستنر أنماطًا تعكس أثر الأوصاف الرياضية في الطبيعة من حيث التماثل، وكان لهؤلاء الفنانين – ومعهم علماء الرياضيات- الفضل في وضع لبناتِ البناء الجماليِّ الأساسية من اللون والشكل، وترتيبها باستخدام القواعد التي تحافظ على النسبة والتوازن.